أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
181
العقد الفريد
فقال له : يا أمير المؤمنين ، كلمت الناس بما أرقّ قلوبهم وأبكاهم ، ثم قطعته أحوج ما كانوا إليه ؛ فقال : يا رجاء ، اني أكره المباهاة . خطبة عبد اللّه بن الأهتم بين يدي عمر بن عبد العزيز ودخل عبد اللّه بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامة ، فلم يفجأ إلا وهو قائم بين يديه يتكلم ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : أما بعد ، فإن اللّه خلق الخلق غنيا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ؛ والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون ، والعرب بشر تلك المنازل ؛ أهل الوبر وأهل المدر ، تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاهة عيشها ؛ ميّتهم في النار وحيهم أعمى ، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمزهود فيه ؛ فلما أراد اللّه أن ينشر فيهم رحمته ، بعث إليهم رسولا منهم عزيزا عليه ما عنتوا حريصا عليهم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم ؛ فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه ، ولقبوه في اسمه ، ومعه كتاب من اللّه ناطق ، لا يرحل إلا بأمره ، ولا ينزل إلا بإذنه ، واضطروه إلى بطن غار ؛ فلما أمر بالعزيمة أسفر لأمر اللّه لونه ، فأفلج اللّه حجته ، وأعلى كلمته ، وأظهر دعوته . وفارق الدنيا تقيا صلّى اللّه عليه وسلم . ثم قام من بعده أبو بكر رضي اللّه عنه ، فسلك سنّته وأخذ سبيله ؛ وارتدّت العرب فلم يقبل منهم إلا الذي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقبله ؛ فانتضى السيوف من أغمادها ، وأوقد النيران في شعلها ، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل ، فلم يبرح يفصل أوصالهم ويسقي الأرض دماءهم ، حتى أدخلهم في الباب الذي خرجوا منه ، وقرّرهم بالأمر الذي نفروا منه ؛ وقد كان أصاب من مال اللّه بكرا « 1 » يرتوي عليه . وحبشية ترضع ولدا له ؛ فرأى ذلك غصّة في حلقه عند موته ، وثقلا على كاهله ، فأدّاه إلى الخليفة من بعده وبرئ إليهم منه ، وفارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه . ثم قام من بعده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ؛ فمصر الأمصار ، وخلط الشدة
--> ( 1 ) البكر : الفتى من الإبل .